تتجه السعودية إلى استخدام قناة السويس لنقل صادراتها النفطية إلى الأسواق الآسيوية، بعدما دفعت هجمات الحوثيين المملكة إلى البحث عن طرق أطول وأكثر تكلفة للوصول إلى المشترين، وفقًا لما كتبته الصحفية جنيفر جْنانا في تقرير نشرته صحيفة «ذا ناشيونال».
وأفادت «ذا ناشيونال» بأن السعودية لم تُحمّل أي شحنات من النفط الخام للتصدير عبر مضيق باب المندب انطلاقًا من ساحلها الغربي، منذ إعلان الحوثيين فرض حظر بحري على السفن المرتبطة بالمملكة.
وبدلًا من ذلك، تتحرك إمدادات النفط الخام الموجهة إلى المشترين الآسيويين عبر قناة السويس، إذ ارتفعت الصادرات عبر هذا المسار بنسبة 106% خلال أسبوع إعلان الحظر، لتصل إلى 1.06 مليون برميل يوميًا، مقارنة بالأسبوع الذي بدأ في 13 يوليو، وفقًا لبيانات شركة «كبلر».
هجمات الحوثيين تدفع السعودية إلى تغيير مسار صادرات النفط
واصلت ناقلات تحمل شحنات جرى تحميلها قبل إعلان الحظر، ومعظمها تديرها شركات صينية، عبور المضيق. ومن بين هذه الناقلات «شين لونج يانج» التي ترفع علم سنغافورة، و«كوزنيو ليك» التي ترفع العلم الصيني، وتديرهما شركة «كوسكو شيبينغ» الصينية، وقد عبرتا المضيق في 23 يوليو.
وتشير تقارير غير مؤكدة إلى أن بعض ناقلات النفط تغادر المضيق بعد إيقاف أجهزة التعريف الآلي الخاصة بها.
وفي السبت، أعلن الحوثيون المدعومون من إيران استهداف منشآت نفطية تابعة لشركة «أرامكو» السعودية في جازان وينبع. ولم تؤكد الحكومة السعودية أو شركة «أرامكو»، أكبر شركة لتصدير النفط في العالم، هذه المزاعم، لكن إذا تأكد وقوع الهجوم، فسيكون أول استهداف مباشر لمنشآت النفط السعودية منذ عام 2022، ومن المرجح أن يسرّع التحول إلى طرق التصدير البديلة.
لكن اللجوء إلى قناة السويس يمثل حلًا بديلًا مكلفًا ويستغرق وقتًا طويلًا. وتستغرق شحنة نفط سعودية من ينبع على البحر الأحمر إلى كوريا الجنوبية نحو 24 يومًا عبر باب المندب، مقابل 54 يومًا عبر قناة السويس والدوران حول رأس الرجاء الصالح، وفقًا لبيانات «كبلر».
ويعني ذلك إضافة أكثر من أربعة أسابيع إلى الرحلة، مع اختلاف المدة الدقيقة بحسب وجهة المشتري الآسيوي، ومن أبرزها الصين والهند واليابان.
قناة السويس ترفع تكلفة نقل النفط السعودي إلى آسيا
تبيع «أرامكو» معظم نفطها الخام بموجب عقود شهرية ثابتة وبأسعار رسمية محددة، بينما تبيع نسبة محدودة فقط على أساس فوري. وتشكل الأسواق الآسيوية أكبر قاعدة لعملاء الشركة، ولذلك تتجه شحنات النفط المحملة في ينبع عادةً شرقًا عبر أقصر طريق، وهو باب المندب.
أما طريق قناة السويس، فيسلك الاتجاه المعاكس، إذ تدخل الشحنة البحر المتوسط. كما يفرض هذا المسار تغيير الناقلة، لأن القناة الاصطناعية لا تتمتع بالعمق الكافي لعبور ناقلات النفط العملاقة جدًا «VLCC» وهي محملة بالكامل، والتي تنقل عادةً نحو مليوني برميل.
ولا تستطيع العبور بكامل حمولتها سوى ناقلات «سويزماكس» الأصغر، التي تنقل نحو مليون برميل لكل منها. ويعني ذلك الحاجة إلى ناقلتي «سويزماكس» لنقل الكمية التي تستطيع ناقلة واحدة من طراز «VLCC» نقلها عبر باب المندب.
وتشير تقديرات تقريبية إلى أن استئجار ناقلتي «سويزماكس» لاستخدام طريق قناة السويس يكلف نحو مليوني دولار إضافية مقارنة باستئجار ناقلة «VLCC» واحدة عبر باب المندب. وتعكس هذه الزيادة الحاجة إلى سفينة إضافية وطول الرحلة، وليس ارتفاع أسعار التأجير اليومية.
وبحسب «بورصة البلطيق»، وهي مرجع عالمي لأسعار الشحن، بلغت تكلفة استئجار ناقلات «VLCC» نحو 382,397 دولارًا يوميًا في 24 يوليو، مقابل 103,500 دولار لناقلات «سويزماكس».
ينبع في قلب استراتيجية السعودية لتأمين صادرات النفط
تأتي هذه التطورات عقب إعلان الحوثيين إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على منشآت «أرامكو» في جازان وينبع السبت.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية لمصفاة جازان 400 ألف برميل يوميًا، ويمكن تعويض إنتاجها من المخزونات، بينما استحوذ ميناء ينبع على 92% من صادرات السعودية النفطية المنقولة بحرًا خلال يونيو، وفقًا لبيانات «كبلر».
ويقع الميناء في نهاية خط أنابيب الشرق والغرب، الذي ينقل النفط الخام برًا من ساحل الخليج إلى البحر الأحمر، متجاوزًا مضيق هرمز. وكانت السعودية قد رفعت طاقة الخط إلى مستوى قياسي بلغ 7 ملايين برميل يوميًا في مارس، عقب إغلاق إيران مضيق هرمز.
وقالت منات جاسبال، مديرة وزميلة في شؤون المناخ والطاقة لدى «مؤسسة أوبزرفر للأبحاث» في الشرق الأوسط، إن خط أنابيب الشرق والغرب السعودي إلى ينبع على البحر الأحمر يمثل عنصرًا حاسمًا في حماية إمدادات الطاقة العالمية، إذ يتيح تصدير النفط الخام بعيدًا عن مضيق هرمز، والحفاظ على تدفقات النفط إلى آسيا عبر باب المندب وإلى أوروبا عبر قناة السويس.
وأضافت أن وقوع اضطراب مزدوج في نقطتي الاختناق البحريتين سيقود أسواق الطاقة إلى اضطرابات شديدة.
وأشار بيان صدر في 27 يوليو عن «القوات البحرية المشتركة»، التي تضم 47 دولة، إلى أن الحوثيين انتقلوا من التهديدات إلى الاستهداف الفعلي للسفن المرتبطة بالسعودية والمصالح التابعة لها، لافتًا إلى أن الجماعة نشرت صواريخ وطائرات مسيرة في مواقع قريبة من باب المندب.
تاريخ من اضطراب حركة النفط والشحن عبر باب المندب
ألحق الحوثيون اضطرابات كبيرة بتدفقات النفط وحركة سفن الحاويات في الماضي. وكان باب المندب ينقل في المتوسط 9.3 مليون برميل يوميًا خلال عام 2023، قبل أن تؤدي حملة الحوثيين في البحر الأحمر، التي بدأت مع اندلاع حرب غزة، إلى خفض التدفقات إلى نحو 4.2 مليون برميل يوميًا خلال النصف الأول من 2025، وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
وعادت التدفقات إلى الارتفاع لتصل إلى نحو 7.4 مليون برميل يوميًا في يونيو، بحسب «كبلر»، بعد أن أعادت السعودية توجيه صادرات النفط الخام إلى محطاتها على البحر الأحمر.
وخلال هجمات 2023-2025 على حركة الشحن التجاري، أطلق الحوثيون النار على أكثر من 100 سفينة في البحر الأحمر، ما أدى إلى غرق أربع سفن ومقتل تسعة بحارة على الأقل. ودفع ذلك أكثر من ألفي سفينة إلى تغيير مسارها والإبحار حول رأس الرجاء الصالح.
وأوقفت شركات كبرى لنقل الحاويات، بينها «ميرسك» و«هاباج-لويد»، عبور البحر الأحمر، فيما خسر قناة السويس نحو 6 مليارات دولار من إيراداتها خلال عام 2024. واستمر وقف إطلاق النار بين السعودية والحوثيين منذ أبريل 2022، لكنه بدأ في الانهيار خلال يوليو الجاري.
وقال عزيز الغشيان، الزميل الأول غير المقيم في «منتدى الخليج الدولي»، إن الحوثيين يخوضون مواجهة تصعيدية متبادلة مع السعودية، ويفضلون التصعيد التدريجي بدلًا من السعي إلى حرب شاملة.
أدت هجمات السبت إلى توقف إنتاج 5.7 مليون برميل يوميًا، أي أكثر من نصف إنتاج السعودية، ليصبح أكبر اضطراب منفرد في تاريخ سوق النفط.
وقفز سعر خام برنت بنسبة وصلت إلى 19.5% خلال التعاملات اليومية عند إعادة فتح الأسواق، في أكبر ارتفاع يومي بالنسبة المئوية منذ حرب الخليج عام 1991. واستعادت «أرامكو» إنتاجها خلال أسابيع.
وتجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل مجددًا في 23 يوليو للمرة الأولى خلال شهرين، قبل أن يتراجع بنحو 5% ليستقر قرب 97 دولارًا الجمعة، مع تنامي الآمال في خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.
ومن المنتظر أن تكشف جلسة التداول الافتتاحية الاثنين، وهي أول جلسة منذ هجمات السبت، مدى حدة رد فعل الأسواق على أحدث اضطراب يطال إمدادات النفط السعودية.
https://www.thenationalnews.com/business/energy/2026/07/26/saudi-arabia-shifts-to-suez-as-houthis-drive-bab-al-mandeb-oil-exports-to-near-zero/

